العالم يحتفل بالمرأة.. فماذا بعد؟

العالم يحتفل بالمرأة.. فماذا بعد؟

كتابة فريق ممكن

يحتفل العالم في مارس من كُل سنة بالمرأة في مختلف البقع الجغرافيّة، فيسلّط الضوء على إنجازاتها وقدرتها على الاجتهاد والاصرار والتقدّم في ظل المسؤوليات وانحطاط الثقافة والسلوك المُجتمعي الذي يُعسّر أداء مهامها ويقيّد حريتها في اتخاذ قراراتها. تُقام الإحتفالات والتكريمات وتُذكر كل تلك الإنجازات وتتعالى الأصوات تقديرًا للنساء السيّدات منهم والآنسات، ولكن تبقى علامات الاستفهام والتساؤلات تدور في أذهان البعض عن التأثير الحقيقي لهذه الخطابات المُلهمة ومدى إستجابة المُجتمعات المنغلقة لمثل هذه الخطابات، ومصير المرأة المُضطهدة والمقيّدة إجتماعيًا وفكريًا من هذا اليوم العالمي والحملات التّي تُقام لأجل تحقيق التغيير الجذري بخصوص هذه القضية.

 في جلسة حوارية أقيمت داخل منظمة مُمكن في اليوم العالمي للمرأة، تم إستضافة مجموعة من النساء المُلهمات اللّاتي قُمن بإنجازات فعّالة داخل مُجتمعاتهن ليشاركن هذه التجارب مع فريق مُمكن، فتنوّعت هذه القصص لتكوّن صورًا مختلفة لإستجابة المُجتمع لحملات دعم المرأة وتمكينها. فكانت أوّل صور الإستجابة هي تمكين المرأة في شتى المجالات والتي من ضمنها العمل القضائي والقانوني، تقول الرائدة فاطمة فرحات من مكتب رعاية الأسرة والطفل التابع لوزارة الداخلية – فرع تاجوراء: “لابد من نشر الوعي الثقافي في ليبيا لتغيير الصورة النمطية للمرأة الأمنية حتّى تكون الملجأ الأوّل والأساسي لإحتواء المرأة المدنية.” حيث أن المرأة الشرطيّة العاملة في السلك الأمني مازال يُنظر لها بتعجّب رُغم ضرورة تواجدها ضمن المؤسسات القضائية لتمثيل المرأة وإحتواء القضايا التي تشمل النساء والأطفال.

كما شاركت العقيد جود فرج الشوشان  – رئيس وحدة الشؤون الإدارية بمكتب حماية الأسرة والطفل تجربتها كرئيس وحدة داخل وزارة الداخلية وضابط شرطة وخريجة أول دفعة ضابطات في ليبيا، فتحدّثت عن الرفض والتمييز التي واجهته خلال إمتهانها لهذه المهنة من زملائها الذكور، وقالت “أثبتنا جدارتنا بالإلتزام والإجتهاد داخل مكتب حماية الأسرة والطفل، وقد تم إفتتاح 19 فرعًا من المكتب في مدن جنوب وغرب البلاد، ونتطلّع لافتتاح فروع جديدة في شرق البلاد.”

لم تخلو الجلسة من قصص الكفاح المُلهمة، فقد تصدّرت الجلسة المتعافية من مرض سرطان الثدي السيدة آمال برناز، حيث تحدّثت أ. آمال عن مُبادرتها لدعم مرضى سرطان الثدي بعد تعافيها منه فقالت: “يجب على كل فتاة وسيّدة أن تحافظ على صحّتها من خلال الإلتزام بالكشوفات المبكّرة، من واجبنا نشر الوعي داخل المُجتمع فيما يخص الكشف المبكّر لسرطان الثدي وسرطان عنق الرحم.. ومن هذا المبدأ أنشئنا منظمة خُذ بيدي لنقدّم الدعم المادي والمعنوي لهن ولنساهم في نشر الوعي!”، باشرت المنظمة في تقديم خدماتها المتنوعة من دعم مادي ونفسي ومعنوي لمرضى السرطان لتصل خلال عام إلى 700 حالة تخضع للكشوفات التابعة لمنظمة خذ بيدي داخل عيادة مركز طرابلس لتشخيص وعلاج الأورام.

في الحديث عن المرأة الريادية ضمن الجلسة، شاركت م. أريج العزابي – المهندسة المعمارية –  تجربتها الخاصّة في هذا المجال فأشادت بقوّة المرأة في السيطرة على تعدّد المهام قائلة: “خُلقنا من الله نساءً ورجالًا بإمكانيات وقدرات عظيمة للقيام بالعديد من المهام تحت الضغوطات! وقدرة المرأة على الإستمرارية في العمل والمثابرة والصبر يعود دائمًا على المجتمع بشكل إيجابي..” وبرهنت م. أريج هذا الاستنتاج من خلال خوضها لتجربة الريادة وممُارسة المهنة المعمارية وتربية ابنها وتحمّل مسؤوليات العائلة.. كُل في آنٍ واحد، ما يجعلنا نرى أقوى صُور الإستجابة مُتمثّلة في ممارسة المرأة لحقوقها المهنية إلى جانب مسؤولياتها في الحياة الأسرية.

لا مجال للإضطهاد إن غُيرت الثقافات ووُسّعت آفاق العقول، ولا يحدث ذلك إلا بمبادرة المُجتمع لنشر الوعي، ولعل كل هذه القصص التي ذُكرت عن هؤلاء المُتمكنات الملهمات في الجلسة الحوارية لها أكبر الأثر في صُنع التغيير، ما يجعلنا نستذكر أن لهذا اليوم العالمي تأثير حقيقي فعليًا، لأنه ساهم في إفساح المجال للنساء أن يسردن قصصهن، وهو ما يميّز هذا اليوم العالمي تحديدًا، لأن هذه المساحة التعبيرية تُساهم في أن يتعرّف العالم على إنجازات نسوية عظيمة أقرب إلى أن تكون مدفونة لا يعلمها إلا مُحيط من يعيشها، في حين يظن البعض أنها غير موجودة أو ينكر وجودها أساسًا، ما يُسبب في تكوين صورة نمطية استنادًا إلى هذا النكران. ومن جهة أخرى.. يُشجع هذا اليوم على إلهام الفتيات الراغبات في تحقيق إنجازات بلا حدود ليجعلن من هذه الإنجازات والشخصيات قدوة لهُن في حياتهن المهنية، الأمر الذي يؤثر إيجابًا على المُجتمع.. لأن المرأة هي نصف المُجتمع وهي التي تُربي النصف الآخر، وبقوّتها العلمية والعملية تُصنع المُجتمعات.